الرئيسية » شامل » بائعة الكبريت قصة قصيرة بقلم/ محمد هشام الشماط

بائعة الكبريت قصة قصيرة بقلم/ محمد هشام الشماط

بائعة الكبريت قصة قصيرة بقلم/ محمد هشام الشماط 

أسدل الليل ظﻻمه الدامس ، وسرت الوحشة في المكان والنفوس ، وشرع الصقيع ينشر بساطه على المخيم ، وعواء ريح ثلجية تبغي نهش أجساد عراة ، يغطي ما تبقى من هياكلهم العظمية بقايا ثياب رثة ، بعد أن نهشها الجوع والحرمان والخوف .
تمددت بائعة الكبريت على أرض اﻷخوة في الزعتري – الذين قبضوا ثمن أجساد بعض المراهقات الﻻجئات بكل خساسة وحقارة نفوس – تمددت وقد جف ويبس جلدها على ظاهر يديها الصغيرتين ، فتشقق ، ورسم عليهما خريطة بؤس لم تعرفه البشرية ، ولفحت نسمة غادرة شفتين ابيضتا من عطش وقحط أخوي إنساني .. تمددت ، وجسمها الناحل ينتفض من صقيع ينخر العظام ، وقلبها الحبيس في هيكل صدرها أصابته رجفة ﻻ تهدأ وﻻ تتوقف .
ومض البرق خاطفا ، لمحت بعينيها الزائغتين من خﻻل شق الخيمة سقوف الخيام وحبالها التي تتﻻعب بها سياط ريح صحراء ليلية ﻻ ترحم .. وتتابعت الصور متﻻحقة وكأنها كانت تعي لحظاتها اﻷولى في الحياة :

كانت صرخة الخﻻص اﻷولى بعد أن أبصرت النور ، وانطلقت من رحم أمها في رحلتها إلى هذه الحياة صرخة خوف ورعب ترافقت مع أزيز الرصاص ، ودوي اﻻنفجارات ؛ وكأنها كانت ترفض الخروج من ذلك الرحم العطوف الشفيق ، وتستغيث طالبة العودة إليه ..
أربع سنوات تمضي ، وهي تنمو وجدران الحي تتآكل ، وسقوف البيوت تهدم فوق ساكنيها ، وشبح الموت يطلق سهامه وﻻ يعرف صغيرا أو كبيرا .. وﻻ رجﻻ أو امرأة .. وفجأة .. شيء ما رفعها نحو السماء، ثم سقطت على أرض تهتز وتتزلزل .. بدأت الركض مع أختها بعد أن تﻻشى كل شيء ، والذعر يختطف طفولتها ويزرع الشوك في أعماقها .

تأوهت أختها بجانبها ، مدت يدها المرتجفة نحوها ، لمست علبة الكبريت التي لم تشعر بأنها تمسك بها إﻻ في المخيم .. علبة لم تحمل فيها أي عود ثقاب ، ﻻ طفولة ، وﻻ لعب ، وﻻ دمى ، وﻻ أراجيح ، وﻻ أحﻻم .. وﻻ رسم باﻷصابع على الرمال .. لم تر يوما أناسا يحتفلون أو يغنون ، وﻻ بشرا يبتسمون أو يتخمون بطونهم .. لم تدر أن هناك أفرادا مترفون ، أو محظوظون .
تراءى لها كأس ماء يدنو منها ، أمسكته ، غصت دون أن تشرب ، توقف اﻻرتعاش ، التصق الجسد النحيل طالبا اللجوء إلى رحم اﻷرض .
وهناك .. في الخفاء ، كان الحاقدون يتحلقون حول الطاولة يخططون وينفذون ، وكان الجشعون يمدون أذرعهم الطويلة يختلسون ما يسعد الطفولة .. ﻻ يرف لهم جفن ، وﻻ تعرف الرحمة في قلوبهم مكانا !

عن Islam Ahmed

إسلام أحمد (إكسلانس)، هو شاعر و مبرمج ولد في جمهورية مصر العربية و عاش و ترعرع في سلطنة عمان , طالب جامعي بكلية الهندسة ومؤسس شركة اكسلانس لخدمات الويب المتكاملة ومؤسس منتديات العرب أشقاء سابقا و مدونة أنجز ويب حاليا

شاهد أيضاً

خدمة الفرومات و البرامج المدفوعة

نوفر لكم من خلال الخدمات الخاصة بالحاسب الالي و الكومبيوتر خدمة عمل الفورمات و تحميل …

اترك رد